تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ

رسائل: جدي ساعي البريد

Elena Shumilova workshop, Irlande – Par Chantal Brossard

كان هذا منذ تسعة عشر عاماً, أعني كان عمري تسع سنوات, أعني زمن الطفولة قبل كل شيء.. أبالغ كثيراً في هذه اللغة حتى أصل إلى نقطة البداية لهذا الزمان. أرجع بذاكرتي إلى عام 2009 أتمنى ان تعود مطمئنة أو تتظاهر بأنها كذلك كما اعتادت.

أحدث الزمان الكثير من الفجوات في ذاكرتي تثقلني هذه البدايات, أعجز عن تزيينها؛ ربما أستغرق وقتاً أطول في تفاصيلها و أخشى إثباتها بالأحرف كي لا تفقد قيمتها! أخشى أن أظلمها؛ فهي جزءُُ من حياتي, أو ربما هي كل حياتي.

يوم الجمعة و ليس كأي يوم, يأخذني جدي إلى مقر عمله, يرحب بالأصحاب و الجميع يبتسم لعيناي و جدي بكل فخر يردد لهم: ” هذه حفيدتي الجميلة”. بعد الخامسة مساءً, يبدأ جدي باستلام الرسائل و إعدادها لللمغادرة إلى القلوب المتلهفة التي تنتظرها منذ مدة ليست بالقليلة. كنت أسأل جدي: ألا تسئم من تكرار ذات الأمر كل يوم! و كانت إجابته دائماً الصمت و التبسم. كان يأمرني ألا أذهب بعيداً أو كان يحميني, لكني أهرب مرات عديدة إلى الجانب الآخر من مقر عمله, و أغرق في ألوان و أشكال الرسائل؛ حتى الروائح كانت تأسرني.. ينتهي بي الأمر بصوت جدي يناديني بعد أن كان باحثاً عني, و أغادر بالكثير من التعزيزات من الحلوى و السكاكر و النقود و رأسي ينبض بالرسائل.

وعدني جدي أن يكتب لي رسالة .. و أنا أعرف أن جدي لا يكسر وعوده. أستيقظ كل صباح, آخذ موطناً في ذات المكان, أنتظر أن يأتي جدي ليأخذني إلى الشاطئ و أغوص في الرسائل. أنتظر و أتسائل ماذا سيبهرني أكثر من تلك الرسالة المطبوع فيها قبلات دمشقية أو تلك برائحة المسك و لا أنسى التي كانت تحمل في طياتها عباد الشمس. أنتظر و هذه المرة في يدي ورقة و قلم أريد أن أتأمل الرسائل و أكتب بينما ينشغل جدي بعمله. أنتظر و أسمعهم يتهامسون أن جدي أصابه الزهايمر و أصبح لا يقوى على عمله و لكنني أتجاهلهم لأنني موجودة سأساعده حتى لاتتأخر الرسائل عن أصحابها. أنتظر و أتذكر سؤالي الدائم له لماذا لا ييأس! عرفت الآن أن الرسائل تذيب المسافات و الوحدة و الظلمة و أريد أن أخبره بشغف أني عرفتي سر الإجابة بالصمت و التبسم. أنتظر و أمسك القهوة أتظاهر بتأمل الغروب بينما في الحقيقة أنا فقط أنتظر جدي.

أنتظر و مازلت أنتظر….

هل حقاً نشيخ مبكراً أم تكبر الإنسانية فينا؟

يقول ربي: ” خُلق الإنسان ضعيفا”

حين يتقدم الإنسان في عمره يراجع الكثير من شغفه الماضي و تجارب حياته و يتصالح مع نفسه نوعاً ما ليس رغبة في ذلك و لكن لأن طاقته الفطرية قد ضعفت. ؛ بات يرغب في الكثير من السلام و الهروب من النقاشات و العزلة و قليلاً من مناجاة النفس و الروح و العقل. و كل هذا يجوله الندم على الأشخاص و الوقت الضائع و قسوة القلب ليس الآن و لكن في الماضي؛ فيشتعل الألم إلى أن يبرد القلب بالتصالح مع الذات ربما.

لكن أتسائل حين تعصف المعاناة على الإنسان في عمر مبكر, في عمر يعتقد أنه يجيب أن يعيش و يتنفس دون أن يسحتق ما يحدث له, كيف يكون أرقى ما يمكن ( لم أستطع أن أجد وصف أعمق) ؟ عليهم السلام, يحملون نقاء خالص في عقولهم و قلوبهم.

قلت مرة لنفسي : ” حين يصل الإنسان إلى أعمق جزء في قلبه ( حيث المشاعر و العواطف) , يمتلئ فراغ عقله و لا يكون في سطح عقله” لا أقوى على تفسير ما أخبرت نفسي و لكني مؤمنة بي حتى هذه اللحظة…..

رواية جحيم الراهب- شاكر نوري

إلى الدكتور شاكر نوري:

اليوم السابع و العشرون من رمضان أتممت قراءة روايتك الثامنة جحيم الراهب.

كتاباتك تتلو روحي حيث إنَ هذه الرواية جمعت أعوام طفولتي في بؤرة عقلي؛ ما زلت أتسائل ما دمتُ لست من المحاربين و لا الجنود و لا القتلة لماذا أحمل كنز الإيمان الذي عثرت عليه مذ ولادتي في آنية من الخوف؟ و لن أنكر أني خضت حروباً داخلية لا يُجدي إطلاق المسميات عليها كما سلَم الأمر أبا سامر حين آمن ” أن الأسماء عبارة عن منحوتات سماوية تخرج من الروح لتأخذ شكل الأحجار المتكدسة في هذا الكون ترددها الألسن و تصوغ ذاكرتها من العدم….”, و لا يحق لي لوم الظروف و الأقدار لأن ” التغلب على الزمن هو ما تسعى إلى بلوغه البشرية” و زماني الآن لا يرحم , ” و ليس غريباً أن أغضب على الساعة المعلقة على الجدار, و أهشم عقاربها لأهرب من تلك الدقات التي تحسب دقات القلوب”. رغم الهدوء الذي حلَ في الحاضر التعيس , اختلطت آلام النفس بإيمان الروح و باتت الشكوك تكهل عقدي الثاني من الحياة إني آمنت أن ” شر الشرور أن تعيش عذاب الأنبياء و الرسل و الشهداء و القديسين من دون إيمان حقيقي يسكن روحك”. لقد قُلت أنَ سرد فردوس الماضي ليس أكثر أهمية من سرد جحيم الحاضر؛ فكيف بسرد جحيم الماضي في جحيم الحاضر, ألا يضاعف هذا جحيم الحاضر؟ ألا تظن يا عزيزي أن هذا كثيرٌ على الشهر الثاني من مذكرات حياة العشرين عاماً؟

ما زلت أتذكر ما قاله أبانا شربل ” لا يقضي على ليالي الأرق و الوساوس و الكوابيس الباردة سوى القراءة”. حزنت على الأب شربل فقد رأيت مصيري في المستقبل القريب فيه, و لا أريد أن يطيل أب جوزيف و أب إسحق التفكير في اغتيال أب شربل, و لا يحاولان التنبيش في لغز قتله؛ فقد قتل نفسه لأن عيناه ما عادت تسعفاه للقراءة, و قد ترك رسالة حين مات و بين يديه كتاب؛ رسالة لا تقرأها الألسن بل القلوب و لن يصل إليها المرء إلاَ عند درجة معينة كما يصل إلى درجة إيمان في روحه و كما يُعجب بدرجة لونٍ…

و في خضم انهماكي أخبرني أب شربل أن لا عزلة مع الكتب و أوصاني صديقي الروحي أب إسحق أن لا أبحث عن الرب في عزلة التعبد بل في ملامح الوجوه, و حتى أتشافى شيئأً و شيئاً أعلمني أب جوزيف أن أملئ رأسي بأسئلة الحياة لا أسئلة الموت و إن كنت موجودة فإن الموت غير موجود و إن كان الموت موجوداً حينها لن أكن موجودة؛ أموت موت واحدة عند الموت خيرٌ لي من موتتين.

حتى و أنا أكتب هذه الرسالة ألهث مع الزمن.

ولدت للكتب و سأموت مع الكتب.

الشعثاء